السبت، 4 يونيو 2016

الصيام وما يعقبه في النفس

الصيام وما يعقبه في النفس

   إن الأمم منذ أن كانت الأمم تحاول أن ترقى بنفسها مادة وروحا وقلبا وعقلا، وإن من خير ما وهب الله للمسلمين أن وهبهم هذا الشهر الفضيل، فمن الناس من يراه عصا غليظة تذكره بمقرعة معلمه أيام كان لم يزل في سن الطلب،  فلا يتذكر من رمضان إلا رائحة الفم وذبول البدن والظمأ والجوع، وهو لا يدري أن عصا المعلم هي التي جعلت منه ما صار إليه اليوم، ولا يدري أن السيف لا يكون قاطعا إلا بعد أن تطرقه مطرقة الحداد من بعد أن يكويه في النار، وأنه بقدر ما اكتوى في النار وغلظت عليه مطارق الحداد صار قاطعا بتارا، فليس كل ما ظننته للوهلة سيئا هو كذلك، ألا ترى أن السهم قبل أن ينفذ في القلوب والكبود ويخترقها جاعلها مزقا مضرجة بأحمرها القاني سالبا منها الحياة، ألا ترى أن السهم لا ينطلق ولا يغادر القوس حتى تأخذه يد القواس فترجع به إلى الوراء، فليس كل رجوع للوراء خيبة، والسهم بقدر ما ترتد به يد الرامي إلى الوراء بقدر ما ينطلق إلى الأمام ليجعل الحياة موتا والوجود عدما، وليس ما يلاقيه الصائم من كَبَد الصوم إلا صقلا ما يلبث صاحبه إلا أن يرى نعيمه في دنياه قبل آخرته.
   فالجوع والظمأ يكشفان عن معدن النفس كما تكشف النار زيوف الذهب والفضة، فما فائدة الصوم إن لم تتذكر كلما قرقرت أمعاؤك فقيرا لا تسكت أمعاؤه لا في رمضان ولا في غيره، وهل تظن أن الله يجعلنا نهجر مطعمنا ومشربنا لا إلا ليجوعنا ويظمأنا – معاذ الله- هذا والله ظن سيء بالله، ألا تستلهم المعنى من قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} سورة البقرة – الآية 183).
ومن قوله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي، وأنا أجزي به والحسنة بعشر أمثالها." صحيح البخاري (1894) صحيح مسلم (1151)
   فالصيام يولد التقوى، ويولد الطاعة ويخلف على صاحبه بالجنة، أليست البهائم تحسن الأكل والضرس وهي تستكثر منه أضعاف ما نأكل ونضرس، بالصوم ستدرك أن بينك وبين هذه البهائم الرواتع السوائم مزية لا يستكشفها لك إلا الصوم لتدرك معناها، كيف ستعرف الإيثار والبذل إن لم تتمرغ بالجوع فيأخذك يمينا وشمالا، ويقذف بك في مهاوي الألم يعلو بك نجدا ويهبط بك وهدا.
     المقيم على فكره القاصر كطفل يعيش في قرية يظن أنها العالم كله، ولا يدري أن بعد شجيرات السرو التي تلتف حول قريته عوالم من البشر وصناعات وتجارات وأثقال وحمول، والذي يظن أن رمضان مجاعة وملهبة للحشا من حر الظمأ فقد جعل الطفل السالف ذكره أعلى رتبة منه، وأضحك على نفسه الخلائق.






0 التعليقات:

إرسال تعليق