تناوب حروف الجر
·
مقدمة:
الأفعال منها ما لا يتجاوز الفاعل، كقولك تدحرج الحجر، وهذا ما يسمونه
اللازم، والآخر المتعدي وهو ما تجاوز الفاعل، إما بنفسه، وإما بحرف الجر، وحروف
الجر تعين الفعل الذي لا يصل إلى مفعوله بنفسه بأن يقوى للوصول إلى المفعول بها،
فقولنا أكل علي الخبز، قوي الفعل للوصول إلى المفعول، أما قولنا مررت بزيد، ضعف
الفعل عن الوصول إلى مفعوله حتى أتبعناه بحرف الجر الباء، وعليه تنقسم الأفعال من
حيث هذا التقسيم إلى: "لازم وهو: كل ما لا يقتضي معناه تعديا إلى مفعول؛
كأفعال الألوان، والخلق، والمطاوعة، كـ (اسود) و (حول) و (تدحرج) و (ظرف)،
والمتعدي على ضربين: ما يتعدى بحرف جر، وما يتعدى بنفسه." ونحن سندرس في
بحثنا هذا حروف الجر التي تتعدى بالأفعال لتصل إلى مفعولاتها.
وستناول هذا البحث في مباحث خمسة:
المبحث الأول: هل تتناوب حروف الجر؟
المبحث الثاني: مذهب الكوفيين.
المبحث الثالث: مذهب البصريين.
المبحث الرابع: أمثلة على التضمين.
المبحث الخامس: أمثلة على تناوب الحروف.
·
هل تتناوب حروف الجر:
في هذه المسألة قولان شهيران قديمان قدم النحو،
وانقسمت المدرستان البصرية والكوفية، كل واحدة منهما برأي، أما "مذهب الكوفيين،
ومن وافقهم، في أن حروف الجر قد ينوب بعضها عن بعض. ومذهب البصريين إبقاء الحرف
على موضوعه الأول، إما بتأويل يقبله اللفظ، أو تضمين الفعل معنى فعل آخر، يتعدى
بذلك الحرف. وما لا يمكن فيه ذلك فهو من وضع أحد الحرفين موضع الآخر على سبيل
الشذوذ."
تنبيهان:
·
الأول:
قبل
الخوض في هذا المضمار فلنكن على علم ودراية بأن من يقول بالتناوب ويجيزه فإنه لا
يقول به مضطردا، وإنما يصلح حلول الحرف محل الحرف الآخر بمكان دون مكان، فليس كل
مكان تأتي به (في) يكون صالحا لأن يأتي بمعنى (على)، فلا نقول مثلا: (علي في
البيت)، قاصدين بها (علي على البيت) هذا غلط، أكبر صاحبه وأفحش الغلط، وإنما تأتي
بمواطن وسياقات يعرفها الدارسون، وقد اقترح ابن هشام ألا نقول: حروف الجر ينوب
بعضها عن بعض، وإنما نحترز فنقول: قد ينوب بعضها عن بعض، وإليك كلامه:
"قولهم: ينوب بعض حروف الجر عن بعض وهذا أيضا مما يتداولونه ويستدلون به
وتصحيحه بإدخال قد على قولهم ينوب وحينئذ فيتعذر استدلالهم به إذ كل موضع ادعوا
فيه ذلك يقال لهم فيه لا نسلم أن هذا مما وقعت فيه النيابة ولو صح قولهم لجاز أن
يقال مررت في زيد ودخلت من عمرو وكتبت إلى القلم على أن البصريين ومن تابعهم يرون
في الأماكن التي ادعيت فيها النيابة أن الحرف باق على معناه وأن العامل ضمن معنى
عامل يتعدى بذلك الحرف لأن التجوز في الفعل أسهل منه في الحرف."
فكلام
ابن هشام هنا في غاية الأهمية حيث يحذرنا من إطلاق القول بالتناوب بين حروف الجر،
وينبغي الاحتراز من هذا الإطلاق لأن ما صلح في موضع لم يكن صالحا في موضع غيره،
وجعل ابن هشام معيار الاحتراز بقولنا: قد تتناوب حروف الجر، ثم جر –رحمه الله
تعالى- جملة من الأمثلة فلتكن في ذهن من يخوض هذا المضمار.
·
التنبيه الثاني:
وسبق
أن قلنا في التنبيه الأول لا يجوز لنا الإطلاق في القول جواز إبدال حرف مكان حرف،
وهنا يجب ألا نطلق القول في نسبة القول إلى مذهب، فإن بعض الكوفيين درج على مذهب
البصريين، ومثله أن يدرج بصري على مذهب كوفي، أو يكون بعض من المذهب البصري مع بعض
من الكوفي، ولكن السمة الغالبة على الكوفيين أنهم يقولون بالتناوب، والسمة العامة
على البصريين أنهم لا يقولون بالتناوب، قال البطليوسي: " هذا الباب أجازه قوم
من النحويين، أكثرهم الكوفيون، ومنع منه قوم، أكثرهم." فقوله
:"أكثرهم" يمنع التعميم.
·
مذهب الكوفيين:
المشهور من مذهب الكوفيين القول بالتناوب، وبيان ذلك أن اللغة العربية وضعت
الكلمات ولها معانيها، فبما أننا إذا سمعنا الكلمة وفهمنا معناها دون لجوء إلى
التأويل والمجاز فإن معناها الذي فهمناه هو ما وضعته اللغة العربية دون حاجة إلى
الصيرورة إلى المجازات والتأويلات، وقالوا: إن الأصل في الكلام الحقيقة لا المجاز،
وعليه إن اقتصار وضع معنى واحد لحرف الجر، وجعل غيره من المعاني مجازات، تكلف
وشطط، والأحسن أن يكون للحرف أكثر من معنى، فبدلا من التأويل في قوله تعالى: {يشرب
بها عباد الله}
والذهاب إلى الاشتغال بمعنى الفعل وأنه تضمن معنى الفعل (يروى) بل لم لا يكون
للحرف أكثر من معنى؟ كما أن للكلمة الواحدة في اللغة العربية أكثر من معنى، فنقول
إن معنى (الباء) هو (من) أي يشرب منها، قال الزجاجي: "(الباء) تكون للإلصاق
كقولك: مررت بزيد، وقد تقع مكان (من) كقوله تعالى { يشرب بها عباد الله} تكون بمعنى يشرب منها
وبمعنى يشربها."
وقد وصف العلماء مذهب البصريين القائل بأن للحرف
معنى واحدا بالتعسف، حيث العقل والقياس على اللغة يمنع من هذا القول، قال ابن هشام
في بيان مذهب الكوفيين: "ومذهبهم أقل تعسفا"
·
مذهب البصريين:
سبق أن
نقلنا كلام المرادي في مذهب البصريين وهو يتضمن أمورا ثلاثة:
الأمر الأول:
تأويل
يقبله اللفظ، وهو المجاز، أي حمل الكلام على المجاز، بحيث تجد للحرف معنى غير
معناه الذي وضع له حقيقة، والتأويل على المجاز قليل جدا، وغالب من تأول استخدم
النوع الثاني –الآتي- وهو التضمين، ومن أمثلة التأويل على المجاز تأويلهم لقول
الله تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} فمعنى (على) هنا
الاستعلاء المجازي لا الحقيقي، وقد علمنا أن (على) تفيد الاستعلاء، فقولك استويت
على الطريق، أي مستعليا عليه، وهو استعلاء حقيقي، كونك تمشي والطريق من تحتك، أما
الرسل فلم يركب بعضهم على بعض فليس هو استعلاء على الحقيقة، قال الصبان:
"قوله: ونحو فضلنا إلخ، جعل الدماميني الاستعلاء المجازي، الاستعلاء على ما
يقرب من المجرور نحو: {أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى}.
الأمر الثاني: التضمين:
وهو أن يتضمن اللفظ معنى لفظ آخر، وقد يكون على
الحقيقة أو المجاز، قال الأشموني: "التضمين: إشراب اللفظ معنى لفظ آخر
وإعطاؤه حكمه؛ لتصير الكلمة تؤدي مؤدى كلمتين؛ نحو: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} أي: يخرجون."
وكما
سبق وبينا أن التضمين يستعمل أكثر من المجاز، بل إن بعض العلماء إذا ناقش المسألة
اكتفى بذكر التضمين، ومثاله؛ قال ابن تيمية: "والعرب تضمن الفعل معنى الفعل
وتعديه تعديته ومن هنا غلط من جعل بعض الحروف تقوم مقام بعض كما يقولون في قوله:
{لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه} أي مع نعاجه و {من
أنصاري إلى الله}
أي مع الله ونحو ذلك والتحقيق ما قاله نحاة البصرة من التضمين فسؤال النعجة يتضمن
جمعها وضمها إلى نعاجه."
الأمر الثالث: وضع أحد الحرفين موضع الآخر على سبيل
الشذوذ:
وهذا هو مذهب الكوفيين، وهو القول بالتناوب،
وسيوضح بمكانه.
·
المبحث الرابع: أمثلة على التضمين:
سنتناول في هذا المبحث بعض الأمثلة على التضمين،
وقد آلينا أن ننقل المثال مع ذكر تأويله على التضمين، ومعه ذكر قول من قال هو من
باب التناوب، وآلينا أن يكون القولان منقولين من المرجع نفسه، وبالمثال نفسه.
1- قول الله عز وجل: {ولأصلبنكم في جذوع النخل}
قال الزمخشري: "وقولهم في قول الله عز وجل:
{ولأصلبنكم في جذوع النخل}
إنها بمعنى (على) عمل على الظاهر، والحقيقة إنها على أصلها لتمكن المصلوب في الجذع
تمكن الكائن في الظرف فيه."
وقال ابن عاشور: "ولذلك عدل عن حرف
الاستعلاء إلى حرف الظرفية تشبيها لشدة تمكن المصلوب من الجذع بتمكن الشيء الواقع
في وعائه."
2- قول الله عز وجل: {وقد أحسن بي إذ أخرجني من
السجن}
قال المرادي: "أن تكون بمعنى إلى نحو قوله
تعالى: {وقد أحسن بي} أي: إليّ، وأول على تضمين أحسن معنى: لطف."
3- قوله عز وجل: {قل كفى بالله شهيدا بيني
وبينكم ومن عنده علم الكتاب}
قال السهيلي: "وأما {كَفَى بِاللَّهِ
شَهِيدًا} فالباء متغلقة بما تضمنه الخبر من معنى الأمر
بالاكتفاء لأنك إذا قلت: (كفى الله) أو: (كفاك
زيد) فإنما تريد أن يكتفي هو به، فصار اللفظ لفظ الخبر والمعنى معنى الأمر، فدخلت
الباء لهذا، فليست زائدة في الحقيقة."
4- قوله عز وجل: {عينا يشرب به عباد الله
يفجرونها تفجيرا}
قال النسفي: "{يشرب بها عباد الله} أي منها
أو الباء زائدة أو هو محمول على المعنى أي يلتذ بها أويروى بها وإنما قال أولا:
بحرف (من) وثانيا: بحرف (الباء) لأن الكأس مبتدأ شربهم وأول غايته وأما العين فيها
يمزجون شرابهم فكأنه قيل يشرب عباد الله بها الخمر."
5- قوله عز وجل: {لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى
نعاجه}
قال ابن تيمية: "والعرب تضمن الفعل معنى
الفعل وتعديه تعديته ومن هنا غلط من جعل بعض الحروف تقوم مقام بعض كما يقولون في
قوله: {لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه} أي مع نعاجه و {من أنصاري إلى الله} أي مع
الله ونحو ذلك والتحقيق ما قاله نحاة البصرة من التضمين فسؤال النعجة يتضمن جمعها
وضمها إلى نعاجه."
6- قوله عز وجل: {من أنصاري إلى الله}
قال ابن جني: "قول الله تعالى: {من أنصاري
إلى الله}أي:
مع الله, وأنت لا تقول: سرت إلى زيد, أي: معه, لكنه إنما جاء {من أنصاري إلى الله} لما كان معناه: من ينضاف
في نصرتي إلى الله, فجاز لذلك أن تأتي هنا (إلى)."
7- قوله عز وجل: {فقل هل لك إلى أن تزكى}
قال المرادي: "قوله تعالى: {فقل هل لك إلى
أن تزكى}
وتؤول على أن المعنى: أدعوك إلى أن تزكى."
8- قوله عز وجل: {ولتكبروا الله على ما هداكم}
قال السيوطي: "بمعنى (اللام) أي التعليل
نحو {ولتكبروا الله على ما هداكم} أي ولأجل هدايته هداية
إياكم، والبصريون قالوا: لو كان لها هذه المعاني لوقعت موقع هذه الحروف فكنت تقول:
وليت عليه أي عنه، وكتبت على القلم؛ أي به، وجاء زيد على عمرو؛ أي معه، والدرهم
على الصندوق؛ أي فيه، وأخذت على الكيس؛ أي منه، وأولوا ما تقدم على التضمين ونحوه
فضمن (تتلو) معنى (تقول) و(رضي) معنى (عطف) و(اكتالوا) معنى (حكموا) في الكيل
و(حافظون) معنى قاصرون و(حقيق) معنى حريص و(لتكبروا) معنى تحمدوا."
9 – قوله عز وجل: {ولا تأكلوا أموالهم إلى
أموالكم}
قال الزجاجي: "وقد تقع في مكان مع قال الله
تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} أي مع أموالكم." ، وقال ابن هشام:
"أي ولا تضموها إليها آكلين."
·
المبحث الخامس: أمثلة على تناوب الحروف
نتناول في هذا المبحث بعض الأمثلة التي تدل على
تناوب الحروف، وسوف نستعرض معاني بعض حروف الجر لنعطي عليها بعض الأمثلة، مكتفين
ببعض الحروف لا كلها، ومكتفين ببعض الأمثلة على كل حرف لا كل الأمثلة، وارتأينا أن
نأخذ أمثلة كل حرف من كتاب واحد لا نخرج عنه، فمثلا حرف (الباء) أخذنا أمثلته من
كتاب حروف المعاني والصفات للزجاجي، وحرف (في) من كتاب اللمحة في شرح اللمحة لابن
الصائغ، ودرجنا على ذلك في كل الحروف.
·
الحرف الأول: الباء:
أهم المعاني التي يفيدها (الباء)، ما يلي:
1- بمعنى على:
قال الزجاجي: "الباء بمعنى (على) قال عمرو
بن قميئة:
بودك ما قومي على أن تركتهم ... سليمى إذا هبت
شمال وريحها
أي على ودك قومي، وما زائدة، وبمعنى (على) {لو
تسوى بهم الأرض}
وبمعنى (على) أيضا قوله تعالى {ومنهم من إن
تأمنه بدينار}
على دينار."
2- الباء بمعنى من:
قال الزجاجي: "الباء بمعنى من أجل، قال
لبيد:
غلب تشذر بالذحول كأنها ... جن البدي رواسيا أقدامها
أي من أجل الذحول."
3- بمعنى عند:
وقال: "وبمعنى عند
{والمستغفرين بالأسحار}"
4- بمعنى في:
وقال: "وبمعنى في {بيدك
الخير}"
5- بمعنى إلى:
وقال: "وبمعنى إلى {ما
سبقكم بها من أحد}"
6- بمعنى اللام:
وقال: "الباء بمعنى اللام {وإذ فرقنا بكم
البحر}،
الباء بمكان اللام، قال الله عز وجل: {ما خلقناهما إلا بالحق} أي للحق."
·
الحرف الثاني: اللام:
يعسر علينا استقصاء ما ورد من معاني اللام التي
بلغت كما قال الزجاجي: "فاللامات إحدى وثلاثون لاماً." ولكن سنقتصر على
بعض منها معتمدين كتاب اللامات للزجاجي.
وأهم المعاني التي يفيدها (اللام)، ما يلي:
1- لام الملك:
قال الزجاجي: " لام الملك موصلة لمعنى
الملك إلى المالك وهي متصلة بالمالك لا المملوك كقولك: هذه الدار لزيد وهذا المال
لعمرو وهذا ثوب لأخيك."
2- بمعنى كي، (لام كي):
وقال: "اعلم أن (لام كي) تتصل بالأفعال
المستقبلة وينتصب الفعل بعدها عند البصريين بإضمار (أن) وعند الكوفيين (اللام)
بنفسها ناصبة للفعل، وهي في كلا المذهبيين متضمنة معنى (كي)، وذلك قولك: زرتك
لتحسن إلي، المعنى كي تحسن إلي، وتقديره: لأن تحسن إلي."
3 - لام
الجحود
وقال: "لام الجحود سبيلها في نصب الأفعال
بعدها بإضمار (أن) سبيل (لام كي) عند البصريين إلا أن الفرق بينهما هو أن لام
الجحود لا يجوز إظهار أن بعدها، كقولك: ما كان زيد ليخرج؛ تقديره: لأن يخرج،
وإظهار (أن) غير جائز ويجوز إظهار (أن) بعد لام كي."
4 - لام الابتداء
وقال: "لام الابتداء تدخل
على الابتداء والخبر مؤكدة ومانعة ما قبلها من تخطيها إلى ما بعدها كقولك: لأخوك
شاخص، ولزيد قائم وكقوله تعالى: {لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله}."
5 - لام التعجب
وقال: "لام التعجب تدخل على المتعجب منه
صلة لفعل مقدر قبله كقولك: لزيد ما أعقله! والتقدير: اعجبوا لزيد ما أعقله، وكذلك
قال بعض العلماء في قول الله عز وجل: {لإيلاف قريش}؛ قال: تقديره: اعجبوا
لإيلاف قريش؛ لأن حروف الخفض صلات للأفعال."
6 - لام الأمر
وقال: "لام الأمر جازمة
للفعل المستقبل للمأمور الغائب كذلك أصل دخولها كقولك: ليذهب زيد، وليركب عمرو،
ولينطلق أخوك، قال الله عز وجل: {لينفق ذو سعة من سعته}."
7 - لام العاقبة
وقال: "وهي التي يسميها
الكوفيون لام الصيرورة هذه (اللام) هي ناصبة لما تدخل عليه من الأفعال بإضمار (أن)
والمنصوب بعدها بتقدير اسم مخفوض وهي ملتبسة بلام المفعول من أجله، وليست بها وذلك
قولك: أعددت هذه الخشبة ليميل الحائط فأدعمه بها، وأنت لم ترد ميل الحائط ولا
أعددتها للميل؛ لأنه ليس من بغيتك وإرادتك ولكن أعددتها خوفا من أن يميل فتدعمه بها،
و(اللام) دالة على العاقبة، وكذلك قوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا
وحزنا}."
·
الحرف الثالث: في:
وأهم المعاني التي يفيدها (في)، ما يلي:
1- بمعنى الظرفية:
قال ابن الصائغ: "حرف جر يدخل على
الظاهر والمضمر؛ وله معان:
أحدها: الوعاء والظرفية، كقولك: (زيد في المسجد)
و(الخير فيه) .
ومن ذلك قول سويد بن أبي كاهل:
هم صلبوا العبدي في جذع نخلة فلا عطست شيبان إلا بأجدعا."
2- بمعنى مع:
وقال: "وقد تأتي بمعنى (مع) ، كقول الشاعر:
إذا أم سرداح غدت في ظعائن جوالس نجدا فاضت العين تدمع
وقد تكون مكان (بعد) ، كقوله تعالى: {وفصاله في
عامين}
أي: بعد عامين،
وقد تقع موقع (من) ، كقول امرئ القيس:
وهل يعمن من كان أقرب عهده ثلاثون شهرا في ثلاثة أحوال أي: من ثلاثة
أحوال."
3-
بمعنى الباء:
وقال: "وتأتي بمعنى
(الباء) ، كقول الشاعر:
وتركب يوم الروع منا فوارس بصيرون في طعن الكلى والأباهر."
·
الحرف الرابع: على:
قال ابن هشام في أوصحه: "ولـ(على) أربع
معان."
وسوف نستعرضها من كتاب أوضح المسالك لابن هشام.
وأهم المعاني التي يفيدها (على)، ما يلي:
1- بمعنى الاستعلاء:
قال
ابن هشام:
"أحدها: الاستعلاء نحو: {وعليها وعلى الفلك تحملون}."
2- بمعنى الظرفية:
وقال: "والثاني: الظرفية؛ نحو: {على حين
غفلة}
أي: في حين غفلة."
3 – بمعنى المجاوزة:
وقال: "والثالث: المجاوزة؛ كقوله:
إذا رضيت علي بنو قشير، أي: عني."
4- بمعنى المصاحبة:
وقال: "والرابع المصاحبة؛ نحو: {وإن ربك
لذو مغفرة للناس على ظلمهم}؛
أي: مع ظلمهم."
·
الحرف الخامس: عن:
وأهم المعاني التي يفيدها (عن)، ما يلي:
1- بمعنى المجاوزة:
قال عباس حسن: "وهي أظهر معانيه، وأكثرها
استعمالا؛ نحو: جلوت عن بلد المظالم، ورغبت عن الإقامة فيه، أي: ابتعدت وتركت."
2- بمعنى بعد:
وقال:"كقولهم: دع المتكبر؛ فعن قليل يؤدبه
زمانه، والمغرور؛ فعن قريب تكشفه أيامه، أي: بعد قليل، وبعد قريب."
3- بمعنى على:
وقال: "فتكون بمعنى: (على)، نحو: من يبخل
بخدمة وطنه فإنما يسيء لنفسه بما يبخل عنها، ويمنع من إفادتها ... أي: بما يبخل
عليها."
4- بمعنى التعليل:
وقال: "أن يكون ما بعدها علة وسببا فيما
قبلها، نحو: لم أحضر إليك إلا عن طلب منك، ولم أفارقك إلا عن ميعاد ينتظرني، أي:
بسبب طلب، وبسبب ميعاد."
5- بمعنى الظرفية:
وقال: "كقولهم: الزعيم لا يكون عن حمل
الأعباء الثقال وانيا، ولا عن بذل التضحيات مترددا، أي: في حمل، وفي بذل."
6- بمعنى الاستعانة:
وقال: " الاستعانة نحو: رميت عن القوس؛ أي:
بالقوس، إذا كانت القوس أداة الرمي."
نكتفي بهذا القدر من ذكر المعاني والحروف، وقد
تركنا بعض الحروف وبعض المعاني لكي لا يطول البحث، ولأن الهدف من ذكر هذه الحروف
ليس الاستقصاء والجمع وإنما هو التدليل والتمثيل الذي يكفي بعضه عن بعض.
ثبت المصادر والمراجع
الاقتضاب
في شرح أدب الكتاب (2/ 262)، أبو محمد عبد الله بن محمد بن السِّيد البَطَلْيَوسي،
المحقق: الأستاذ مصطفى السقا، والدكتور حامد عبد المجيد، دار الكتب المصرية بالقاهرة،
(1996 م).
أوضح
المسالك إلى ألفية ابن مالك (3/ 37)، عبد الله بن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن
هشام، المحقق: يوسف الشيخ محمد البقاعي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بلا طبعة
ولا تاريخ.
التحرير
والتنوير (16/ 265)، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية
للنشر – تونس سنة النشر: 1984 هـ.
تفسير
النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل (3/ 577)، أبو البركات عبد الله بن أحمد بن
محمود حافظ الدين النسفي،حققه وخرج أحاديثه: يوسف علي بديوي، دار الكلم الطيب، بيروت،
الطبعة: الأولى، 1419 هـ - 1998 م.
الجنى
الداني في حروف المعاني (ص: 46)، أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم المرادي، المحقق:
د فخر الدين قباوة، والأستاذ محمد نديم فاضل، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة:
الأولى (1413هـ - 1992 م).
حاشية
الصبان على شرح الأشمونى لألفية ابن مالك (2/ 333)، أبو العرفان محمد بن علي الصبان،
دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، الطبعة: الأولى 1417 هـ -1997م.
حروف
المعاني والصفات (ص: 47)، عبد الرحمن بن إسحاق البغدادي النهاوندي الزجاجي، أبو القاسم،
المحقق: علي توفيق الحمد، مؤسسة الرسالة – بيروت الطبعة: الأولى، 1984م.
شرح
الأشمونى لألفية ابن مالك (1/ 446)، علي بن محمد بن عيسى، أبو الحسن، نور الدين الأُشْمُوني،دار
الكتب العلمية بيروت- لبنان، الطبعة: الأولى 1419هـ- 1998مـ.
اللمحة
في شرح الملحة (1/ 325)، لابن الصائغ، المحقق: إبراهيم بن سالم الصاعدي، عمادة البحث
العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى،
(1424هـ/2004م).
مجموع
الفتاوى (13/ 342)، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، المحقق:
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية،
المملكة العربية السعودية، 1416هـ/1995م.
مغني
اللبيب عن كتب الأعاريب (ص: 861)، عبد الله بن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام،
المحقق: د. مازن المبارك، ومحمد علي حمد الله، دار الفكر – دمشق الطبعة: السادسة،
(1985 م).
المفصل
في صنعة الإعراب (ص: 381)، أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري،المحقق: د.
علي بو ملحم، مكتبة الهلال – بيروت، الطبعة: الأولى، 1993، وانظر: مغني اللبيب عن كتب
الأعاريب (ص: 151).
نتائج
الفكر في النحو (ص: 273)، أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد السهيلي، دار
الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى: 1412 - 1992 م.
النحو
الوافي (2/ 513)، عباس حسن، دار المعارف، الطبعة الخامسة عشرة، بلا تاريخ.
همع
الهوامع في شرح جمع الجوامع (2/ 440)، عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي،المحقق:
عبد الحميد هنداوي، المكتبة التوفيقية – مصر، بلا تاريخ.